السبت، 11 أغسطس 2012



محمود في القصر
المرتضى / محمد اشفق

..شيد القصر باحدث المعايير المعمارية , وجهز باثاث اسلمه بحر الى بحر , ومحيط الى محيط ....ارائك وحشايا وستائر جزلة الغزل , آسرة النقش , زاهية الالوان....دواليب رقيقات الحواشي تعصبها سبائك دقيقة متراصة من الزبرجد الصافي , تتوسطها مرايا من البلور الناصع ,  وثريات زمردية تتدلى  من السقف المزيف في قداح مرمرية بديعة الاشكال , ترسل اشعة قزحية  في بخل مدني محكم ....وفي بعض الزوايا كومات من نفائس المتاع لم تعرف "افاتو" بعد طريقة استعماله , ما زالت تنتظر من صديقتها في مدريد مهاتفة ب"كود": التشغيل , الجدران تبرق من آثار طلاء عجيب تداخلت فيه الالوان المختلفة كانها تتنكر حتى لا تحدد هويتها , التلفزيون فن فريد انجزته امهر انامل التكنولوجيا وارقها ذوقا , ضامر كطاوي عشر , يلتصق بالجدار يعوذ به كالخائف من عدو مداهم....لكن محمودا وهو شقيق المختار (صاحب الدار) حل ضيفا ليصل رحم اخيه وقد فرقت بينهما الايام , وساقت كلا منهما الى منكب قصي من مناكب الارض ..... هو رجل نحيف , طويل اللحية كثها , شيبتها شمس الصحراء ونفنف ايار , آدم البشرة تتناثر فيها مساحات صغيرة هي اطلال لون فاتح استوطنها ذات مرة , رقبته كجذع شجرة المراح تعلق عليها السرج والحبال , وقيود الحمير , وارسان الخيل ..والمحاليب....نعم في رقبة محمود سيور ممعوسة كالانساع يتعلق ببعضها غمد موساه , وببعضها محفظته الجلدية التي تحوي وثائقه وقلم الرصاص الصغير , وغير بعيد نسع آخر يتدلى منه غمد طويل رقيق هو ملم المسواك , مع مكتبة من التمائم المتفاوتة الاحجام , بعضعها محفوظ في اطار نحاسي والاخر في غلاف جلدي سميك ...اقعس الظهر كمن يتوقى سوطا ثانية , و كا لمتشوف ابدا الى طلائع قافلة الزرع القادمة من شمامه....سحب خنشاته الثلاث وصب متاعه على الزرابي المبثوثة : امداد ا من طحين النبق , واخر من كسكس البادية المجفف , كومة من مساويك الاراك والبشام .ثم رزم من عيدان مثقفة , منزوعة اللحى , ناعمة الملمس.....هي هداياه الى اخيه وزوجه وبنات اخيه الثلاث ....سال الغبار الابيض الناعم غزيرا على "التراكي" والحشايا المتنفسة برائحة المصانع الراقية ...كان محمود لكرمه البدوي مصرا ان يحفن حفنات يدسها في جيوب الداخلين كبارا وصغارا قائلا (كلوا , هذا حدثني من لا اشك في امانته ان "اوفى" رحمه الله اخبره انه هاضم جيد).......
في المساء عاد المختار وافاتو من العمل ليفاجآى بمنظر غريب في هذا القصر المشيد.....استشاطت افاتو غضبا ودعت زوجها الى اجتماع عاجل في غرفة النوم لمناقشة قضايا خطيرة تمس الامن العام والاستقرار في حوزتهم الترابية.....فمحمود صورة نشاز مقززة في المنزل ولا يمكن مهما كانت الظروف والنتائج ان يبقى فيه , لا بد من تدبير حيلة سريعة لترحيله ...كيف تتحمل افاتو منظرا متخلفا لمخلوق غريب طويل اللحية , متسخ الدراعة خلقها , لا يغطي بطنه  , متشقق القدمين , متصلب اصابع اليدين , كلامه جلجلة , وضحكه فرقعة , كيف ستتحمل ان يراه اصدقاؤهم و ما ذا ستقول لصديقاتها عندما يتخذن من منظره تسلية وسخرية ؟؟ كان المختار وهو المعروف بالضعف امام سيدة قصره يهمس في استجداء مفتعل : لكنه اخي ..فترد المراة اياك ان تعيدها , انا لا احب ان يعرف زوارنا ان لك به صلة نسب , حتى بناتي ما كنت احب ان يعلمن انه عمهن.....على كل حال سنجعل له حصيرا في "الكاراج" بينما نكمل تدابير ترحيله , انسحب المختار مهزوما , لكنه توسل بكبرى بناته الى زوجه ان تقبل انضمام اخيه الى معلم القرآن في بيته , فهو لصيق "الكراج" ويخاف ان يراه احد اقاربهم فيذيع في الحي عقوقه....
كانت الليلة معتدلة الطقس , النسيم الرطب الخفيف يتسلل على استحياء من فتحات الستائر فيحرك خيوط الدخان الرقيقة السابحة في سماء الصالون ممزوجة بعطر خفي منعش , ويشتد تارة فيحدث وهو ينساب بين فجوات الاغصان صفيرا ضعيفا كاصوات هوام الليل الآتية من بعيد...
كان السمار من اصدقاء المختار وصديقات افاتو سارحين غائبين في جو تتخلله احاديث فضول منحطة , وخرجات من افانين الغفلة اغلبها اجترار ماتلوكه الشاشات الصغيرة من نفايات الفنون الرخيصة تتخلص منها كبريات شركات الافلام العالمية , كانت افاتو - اذا سكت اللغو- تعرفهم على مكونات اثاث الدار ومواطنه الاصلية....
دخل محمود جامعا طرفي دراعته بيده لان سرواله تحت وسادته وبدأ يسلم فنهض القوم للسلام عليه , فكانت يسراه على رؤوسهم تفرق شعر كل واحد منهم وتنغرس اظافره في جلدة الراس مباشرة , فيضيع على القوم جهد كبير قضوه امام المرآة للحصول على تصفيفة  عصرية انيقة , لكن الحسنات اهم من ذلك فمحمود مؤمن انه بقدر ما يمسك من شعر راس المسلم عند المصافحة تتدفق اليه الحسنات , اما يمناه فكانت تضغط على ايامينهم حتى تلمس الراحة الراحة..وما اصعب ان تلامس راحة محمود راحة مصافحه فهي مجوفة كنصف المحقن ..وبين وقت وآخر تفشي موجات الصبا سرا كانت تستره اطراف دراعته قبل ان يحررها محمود ليتمكن من تطبيق مراسيم التحية ....كان بعضهم يسترق النظر اليه فيغبطه على هيفه وضمور ثدييه ....جلس وشرع يسالهم عن قبائلهم , و اسعار النعاج في قراهم وعن سعر مد "تغليت" وليس الزرع الابيض.....وحدثهم عن تفاصيل حياتهم في البادية ....وعن انشغال اخيه الاصغر بالرعي والسقي عند البئر....اما امه فكانت غازلة وبر,  وناسجة بنائق الصوف والحصر, تضرب اليها اكباد الابل وكانت رحمها الله تقيت عيالها بمداخيل ذلك العمل الجميل, ومنه صرفت على المختار ليواصل دراسته في كيهيدي.....ويواصل لكن الايام الجميلة ولت مع المختار ولد داداه , كما ولى البقر  الاحمر, والعوذ المطافيل.....
انسحب النساء الى الصالون الافريقي... فتذكر محمود امرا مهما عاد الى بقية متاعه , واحضر رزم العيدان الناعمة المثقفة المنزوعة اللحى , دخل على النسوة وقال خذي يا فاتو هذا "مكرش" وهو واق من الحكة الداخلية لانه من شجر
 السدر, وقد تعلمين ان الماء مضر بالنساء "يدخل عليهن البرد" ..
وانتقل الى الصالون الاوروبي وفرق بقية العيدان على ضيوف اخيه وهو يشرح لهم , وهم لا يفهمون , فاستنجد باخيه قائلا : تعلم ان والدنا رحمه الله ما كان "مكرش" يفارقه في سفر ولا اقامة ...
لم يكن جو غرفة النوم في الليلةالثانية اصفى ولا اهدا منه في الليلة الاولى....بل ان ما بدر من محمود قطع الشك باليقين فهو لعنة نزلت بهذا البيت وحولت احلام ساكنيه الى كوابيس مروعة , كل ساعة تجيء تلد من بوائقه ما لم تحبل به الساعات الماضية .حمي النقاش وكان المختار واهي الحجة هذه المرة خصوصا بعد احاديث اخيه مع الضيوف...فهو حقا لم يخلق ليزور المدينة .فطباعه الغليظة وحتى شكله وتضاريس جسمه كلها منكرة في الحياة المتحضرة وما يزينها من "ماكياج" يطوع الاجسام والطباع يحتاج ليصاغ جسمه من جديد الى ان يفكك ويفرق عضوا عضوا ويشرف على اعادة تركيبه وتقويم المعوج من عظامه والناتئ من مفاصله فريق متخصص ماهر من النجارين والصاغة.....
بدا لمحمود - وقد خلا له الجو - ان يتفقد مملكة اخيه , ففتح الدار بيتا بيتا , واطلع على المطبخ وما حوى , والمخزن وما اخفى , وغرفة النوم وفيها حدثت واقعة كانت ثالثة الاثافي ....رأى رجلا يشبهه شكلا , يتقدم اليه باشا هاشا , ومد يده لمصافحته , فبادر اليه هرولة وبادله ابتساما بابتسام وحفاوة بحافاوة , ليجد نفسه يصطدم بمرآة دولاب الملابس و الحلى , فتنكسر ويسقط محمود والدماء تنزف كالشلال من جبهته....فما كان الرجل الا صورته في المرآة...
مصائب الرجل متعددة متنوعة....فبعد ان يخلد اهل البيت الى النوم وقبل ان ينقطعوا عن عالم الصحو يبدأ الاستغفار وانشاد ميمية البوصيري باعلى صوته ...فيفر النوم - وهو زائر ليلي حذر وجبان يطرده الهمس والنجوى ويرتعد فرقا من مناغاة الرضيع , فكيف  يواجه جند البدو ودوي حناجرهم - يفر لا من دار الاسرة المنحوسة  فحسب بل من دور الجيران ايضا....
وحان يوم الرحيل فحجزوا له في "امشامله" ضخمة , ركابها من جنسيات مختلفة : ففي منكبها الايمن  ثلاثون طنا من الاسمنت , وفي منكبها الايسر  عشرون طنا من انواع الحديد , وفي صحن صدرها تتربع خمسة مولدات بجوارها اعمدة ضخمة من اصناف الانابيب ...ولم يكن لآدم بين تلك الاحمال ولد سواه , فاختار راكبا آ خر لا يثور غباره كالاسمنت , ولا ترتفع ضوضاؤه كالحديد....هو جار هادئ الطبع , طويل الصمت , مطرق كالمفكر في العواقب ,  يجثم على سرة الشاحنة , رتب محمود متاعه وخنشاته وقد حوت اعدادا من دراريع اخيه المصابة بداء ثقب الجيب وهو شيب الدراريع المنذر بدنو اجلها , وبعض الاقمصة المتساقطة الازرار, ونعالا نسائية  غير متجانسة تخلصت منها زوج اخيه ....فاطمأن الى جواره وانس اليه , وتمنى ان يقتبس الناس من اخلاق "البلدوزر" ...
  

الخميس، 9 أغسطس 2012

الى طاغية(اثناء الثورة المصرية)
المرتضى محمد اشفق










تبت يـداك وسحقا يـا ابـــــــــالهب       حان الفـــرار فـهــذي فــورة اللــهب
والنارجوعى تثور اليوم من غضب     أيقظ ابـــــا لهب حمــــــالة الحـــطب
مـــا ادسم الوجبــة الكبرى التـي نتنت   فاللحم والشحم زادا شـــــدة الصخب
يا جسم فـــيل ويـــــــــــا اكوام مزبلة    يـا بخــل "مرو" ويا بوا من الخشب
يـــــــا من تضخم من أتعــــاب ارملة    ومن فـــــتات من الايتــــام مغتصب
يا مـــن تسلق بــــــــالاكتاف مختلسا     براءة الشعب فــــي سـود من الحقب
وكـــــــــــــم كتبت بــلا لوح ولا قلم     وكـــــم خطبت بلا فــــــكر ولا ادب
يا سارق الحلم من اطفــــــال بلدتــنا     يـــــا ذابح البسمـــة العـذراء بالرهب
حتــى العصافـــير لم تسلم حواصلها     قاءت لك القمح كـي ترضى ابـا لهب
حتـــى المقابر قد حولتهــــــــــا شققا     من حيض داعرة تعلو علــى السحب
حتـــى الثقافــــــــة لم تسلم منــابرها     من عـــــــي مرتـزق يبدو كـمنتحب
يا من تأله فــــــي قعر السفول وفــي     سفح الافــول وفــي مستنقع الجرب
يا من تجبر فـــي عصر الرداءة فــي     ليل الخطــــوب وفي اغفاءة النخب
يالاعق البظر مـــن شيخات مصطلق    ووالغا فــــــي دم الاحرار من عرب
يـــــا بائع المجد والتاريخ فــــي حلك    بالجور والجهــل والتضليـل والنهـب
يا فاجرا يدعي طهر البتول واخــــلاص الخليـــــل وهـــــــذا اعجب العجـب
لملم شتــــــــات الذي حصلته زمنـــا     فـي عصر ظلم بدا يجثو على الركب
خفــــــــف متاعك فالافــــاق موصدة     ولا صديق تـراه اليوم فــــــي الكرب
والقصر ضاق وكل السبل مـرعبــــة    مــــــــا ذا صنعت لهــذاالعارم اللجب
هذا اللجـــــــاج الذي لاشك سامــــعه  صوت الهديروصوت الرفض والغضب
فـــــــالشعب ما عاد قطعانا مدجنــــة     تســـــــاس بالقهــر والاذلال والسلب
نبه قطيعك كــــــــــي يخفــــي معالفه    والمدح والفـــقه والاطنـان من خطب
والكلب والحية الرقطـــــا ليحترســــا    ودودة القصر والجرذان فـــــي الكتب
وارحل حقيرا وضيعا تافـها نجســـــا     ولو كسيت مـــــن المرجان والذهــب
فالارض حبلى بءامال الشعوب وقد     تحرك المـــارد السحري فــي الدرب
والنار تاكل حتــــى النخل منحنيــــا    والبحر ان ظل يومـــا غيـر مضطرب

                                             المرتضى ولد محمد اشفق 

السبت، 4 أغسطس 2012


  الرحم: بين الوصل والفصل:
المرتضى / محمد اشفق

صلة الرحم واجب ديني وأخلاقي , وضرورة اجتماعية, لكننا في عصر العولمة ورداءة الزمن, شاهدنا الثوابت تتحول وتتبدل, لأن أســــــاس العلاقة أصبح قائما على النفعية والمادية الوقحة, القيم السامية قضت , وأصبحت تراثا يحن إليه المتخلفون والمنبوذون.
فقلة من يحافظون اليوم على البقية الباقية من الروابط ينمونها ويحكمون نسجها, لتكون كما ينبغي أن تكون أو على الأقل كما يمكن أن تكون.
 فــــــــي هذا الجو البارد أخلاقيا, تصارع صلة الرحم أسقامها طريحة وحيدة, غريبة في غرفة معزولة كضحية وباء معد , تنتظر أن تلفظ آخر نفس لها مع كل لحظة تحين.
تخرج من بيتك لا تريد إلا أن تصل بعض رحمك حبـــا له, وامتثالا لأوامر الله, حتى إذا جئته تلقاك كئيبا حزينا, كان على قلبه هموم بؤساء الدنيـــــــــا كلهم, وساح فكره في تخمين مهمتك, ماذا تريد؟ ما حجم حاجتك؟ كيف سيردك؟ مــــــا هو العذر المناسب؟ ينقطع صاحبنا مع هذه الأفكار يقدر ويدبر, ويتمنى أن بينك وبينه أمدا بعيدا, وأنكما لم تكونا ذوي أب واحد, ويظل يردد بعض عبرات السلام فــــي غير محلها ليوهمك أنه معك وهو غائب عنك شارد مع أحزانه وتخميناته.
ما المخرج؟ هل فــــــــــي أن تزوره  يوم صومك , فلا تفتح فمك إلا بالكلام ؟ أم أن تعلمه أنك جئت واصلا لا(فـــاصلا) , وأن مهمتك ستنجز في أسرع من نسيان الجميل في أيامنا , وفي أخطف من برق الصاعقة؟

الثلاثاء، 24 يوليو 2012



الرحالة موهوب (3)
المرتضى / محمد اشفق

ادرك موهوب  انه تدفق بكلام كثير امام "محمدو"..وتذكر ان احد خواصه همس في اذنه مرة قائلا : يا موهوب خذها مني نصيحة خيرا لك من حمر النعم , وصرر التبر الاحمر : لتكون نجما لا معا في سماء السياسية  تعلم اللغة الديبلوماسية , فقال موهوب : تلك لغة متخصصة يجيدها السفراء والقائمون بالاعمال ومن شاكلهم فكيف لي ان اتعلمها ؟ يا موهوب اللغة الديبلوماسية عندنا هي ان تتحاشى الحقيقة , هي الكذب , حتى اذا سئلت عن اسمك فلف ودر , ومص شفتك السفلى , وقل "أ" برواية ورش واشبعها مدا , وتعمد الغلط...ثم تبسم وانت تقول : اسمي مع السكرتير الخاص..ولوح بخنصرك وبنصرك فقط....وانج بنفسك....
تذكر موهوب هذه النصيحة لكن بعد فوات الاوان....وبدا له ان يكفر عن خطيئة قبلي الكلام ببعدي الصمت......
لكنه في سره مطمئن سعيد.....انقطع لنفسه في مناجاة داخلية , استخلص منها ان رحلاته علمته ان الكرم السياسي في بلاده رائع , وان الوافد - جديدا او عائدا بعد هجرة- تتحات ذنوبه السياسية حتى يكون كيوم ولدته امه.....فلا الذاكرة الجمعية وان احتفظت بتفاصيل سيرته غير المطهرة تحاسبه عليها...فلا يحتاج الى شهادة تبريز , ولا كفارة صغرى....بل لا يحتاج الى ان يعلن توبته ...حسبه ان يكون خشبا يزيد النار اشتعالا ولو بدخان اسود كالقطران...وان يغتسل في نهر الادران , ويمر على عرايا التشويه  ليجعل مسوح التقبيح على قيهله من جديد , تلك طقوس المؤمنين الاوفياء  لعقيدة النجعة والرحيل.....ولا تهمه الحدود الوهمية بين الفريقين المتصارعين على اغتصاب بلاده....هو سيمثل في كل فريق ...وسيكون بطلا في كل حلبة صراع ..فهو فنان في افتعال"الغيظ وتوززت"...هو معارض موال , وهو موال معارض ,.... وهذا هو موقف كل معارض مهما تطرفت مواقفه الآنية , وهو موقف كل موال مهما ابدى من آيات الولاء والتزلف..وكان يتمثل لنفسه مبررا هذه الافكار ب(احبب صديقك هونا ما فربما ينقلب عدوا , وابغض عدوك هونا ما فربما يصبح صديقا) سيقول حكماء كل فريق ألاّ صاحب بلا عيوب وسينشدون قول الشاعر:
ولست بمستبق اخا لاتلمه               على شعث أي الرجال المهذب
وقد دخل خلوة اصطحب فيها ديوان الحطيئة وبشار ....وحفظ كثيرا من "درر الشمت" من الشعر الحساني حتى امتلا وفاضه ومزوده ...بل اصبح هو نفسه لايصبر على اللغة المهذبة ...يصيبه الدوار فلا يهدا حتى يغرق خصومه المفترضين باسهال نتن من بذاءات لسانه , كان يتمرن في توجيه خطبه الى الحميراولا – فالحمير مامونة الشر , لاتعض كالكلاب والجمال , ولا تنطح كالكباش والبقر-  ليتخلص من حالات الارتباك امام الآدميين , واستعمل لغة جسده كمفتون خجول سحره لحظ عيطموس شرود.....استعرض موهوب كل هذا وهو يشغل مخزون ذاكرته وما سجله من تجارب اصدرها في كتاب سماه : المختار في  فوائد الاسفار واضرار المكث والاستقرار .
اكسبه شروده مع هذه الافكار شجاعة وهو يعود الى من هجرهم امس واعلن على الملإ افلاس خطابهم , وقذارة افكارهم , وانحطاط مراميهم ...فاسمعوه من الثناء والتمجيد ما لم تسمعه اذن المعز والرشيد , فالعود احمد والطالع اسعد....فقال موهوب ايها الناس ....ايها الناس  انا الهدهد لقد ذهبت عنكم لآتيكم من "سبإ بنبإ عظيم" ....فالحمد لله الذي تداركني من عثرتي , وسدد خطاي بعد ضلتي ...لم انس ايامي  بينكم كم كانت حلوة كاحضان الامهات ..كم كانت جميلة كاحلام الاطفال كم كانت عميقة كشعر المعري  ....لقد ساقتني شقوة رأيي , ونحس طالعي الى قوم غالبت القيء لما تبدت لي جموعهم , فهم كما ساصف لكم :
عيونهم غائرة كضحايا الإسهال
ابتساماتهم شاحبة كرعاة الصيف
بطونهم منتفخة كالحوامل
أطماعهم كبيرة كجيف الجمال
أفكارهم صغيرة كأرجل النمل
لحاهم خجولة كخمر البغايا
يريدون غنى الدهر في يوم
وربح القرن في ساعة
يلبسون كالمشردين , ويأكلون كالمساكين
الحمد لله ان نجاني منهم كما نجى عيجلوف من جند سليمان
دوى تصفيق الجماهير حتى ذعر بعض الحاضرين وذعر موهوب نفسه من لجبة الاكف....فنتر مرافقه دراعته قائلا : انت غلطت هذا نص خطابك امام اصحابك الشهر الماضي ..قال موهوب ما زلت في غبائك القديم ..هم ايضا يعلمون ذلك ....لكنهم يقبلون مكرهين ...وينخدعون عارفين .....هذا مكمن الداء يا محمدو....نحن امة عطلت عبقرياتها في مختلف الفنون لتتمحض لفن العصر : التكسب السياسي.....نحن جميعا مجهزون على ضحية اسمها الوطن نمزقه ونحتقره  , ونختزل عظمته في حماقة طفلية....نطحنه ليسهل ازدراده الى كهوف معداتنا المظلمة ...الم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا....ان اصررت على ان ترافقني فلا تسالني ولا تعلق على  احاديثي ...فساكشف لك في قابل الايام من امرها خبرا....لقد نسيت احاديثي الماضية..الم اقل لك في سالف الحقب والاعصار , اننا في زمن العهر السياسي , ورجولة المخنثين ....وان الزمن الرديء سمح للخصية من اشباه الرجال ان يدّعوا افتضاض ابكار المواقف والافكار ...وتدنيس عذرية الفضائل والاخلاق .....الم تر اقلامنا اليوم ترقص على لحن العذاب والموت ...السنا اليوم اسرابا من الزواحف تغني على أنين الجياع والمنكوبين .....الا نركض مسرعين لاختطاف رغيف من امام مسن قعيد....
لقد نسيت ان اخبرك ....نسيت وليتني ما تذكرت ....
في طريق عودتي يا محمدو اعترضني فارس غريب ...له قرنان يرتفعان حلزونيا فوق اذنيه....وقد ضفرهما ودهنهما ورطبهما بمسك غليظ سميك ...تقطر على رقبته حبات عرق ازرق وتختفي بسرعة ..تذكرت حكايات البادية والطفولة و"بوتويلتميت من لحديد"...اقشعر جلدي واحسست بشعري ينتفش وحركة غير محددة المكان تهزني هزا وتأزني أزا.....قال لي وقد ادرك اني انكر منه كثيرا : لا عليك انا نزيل مقبرة في تلك الاكمة التي امامك.....استاذنت حارسها فابى ..فغافلته وانسللت مسترخصا ما سانال من ضرب المقامع.....وعض الثعابين , انا هو انت ياموهوب....اهتزت الارض تحت قدمي وتلاحقت دقات قلبي حتى حسبته انسل وطار الى السماوات العلى ...ربت على منكبي قائلا : لا عليك يا أنا ..الا تذكر ؟ انت مت منذ دهور في رحلتك عن مضارب القبيلة ....واسلمت نفسك راغبا الى مقاصل القوم فشنقوك وصلبوك وعلقوك حتى سال الصديد الاسود من اظافر قدميك وتجمهرت الخنافس والنمل الاحمر يروون ويدخرون....انتفخت كالبالون الطائر وتساقطت اعضاؤك منتنة تملا جوف الوادي فلم يبق فيه ذربان, وتحلقت حولك الذئاب تاكل مشمرة على انوفها....دفنوك هنا ....وانظر يديك وقد مجلتا حتى سال القيح من اخاديد راحتيك ولما دفنوك حكموا عليك بالتصفيق رغم المجل ....تحسس تجاويف فمك فانت أدرد ولسانك مدور كافعى يسمك شدقيك الم تك خطيبا تقيء العوراء ؟؟ واليوم في قبرك الزموك ان تظل تمص لهاة عجوز مغراء من آل شارون , مثقوبة المنخر , بخراء , جخنّة , دقيقة الساقين....نخامتها كالمح..سرتها تدمى باستمرار وتقطر في محارة مشدودة بشعرة من لحيتك حتى اذا آلمك المص ولغت في ما تحلب في المحارة فيكون كالضماد وتعود العافية الى لسانك... وانظر الى تلة الجنادل تلك , ذاك احد رموسك وهناك حولوك الى شيخ وقور واجلسوك في بؤبؤ عوراء عيناء مغلولة اطرافك من خلاف لك ثدي واحد يتدلى الى كعبك ترضعه ديدان  رقطاء وثعابين صغيرة لا تروى كلما امتلات بطونها وضاقت بما حوت تسلقت على شعر لحيتك وبالت في انفك....هل ترى ذلك العجوز الاحدب الجالس جنب ذلك الجدث....انه شيخ من الجن خاله الشيطان يريد ان يستقضيك عن رشاوى دفعها لك ولم تف بالوعد كما هو ...لقد كنت اكرم من المطلوب وذلك جالب للضرر على الذين امتهنوا عد الحصى واستعذبوه....هل ترى ذلك الشاهد الرمادي الباهت ذاك واحد من اجداثك لكنهم حنوا عليك , بل اكرموك توقيرا لأمارات النبل البادية في صلعك من الخلف , وشعر صدرك فانت من عرق نقي لم تشبك كعاعة من نسب.....هناك حولوك الى كائن وديع في روضة ندية ..انت هناك قملة كسيحة ترعى عانة قرد عنين....
يا محمدو!! كل هذا وانا جالس يقظان ...نهضت مسرعا , واستعذت بالله من الشيطان الرجيم , وقرأت سورة يس وصليت الصبح لاول مرة في المسجد وكدت اصلي الضحى ....لكنني تذكرت انها "تكره" لمن لا يواظب عليها ...
هؤلاء هم نحن فما ذا تامل ان يفعل موهوب واشباح كابوسه ترافقه انى حل؟؟هل ترى ان ما نعيشه اليوم هو نفسه ما انبأتني به الكوابيس بعد ان نزعت الغشاوة من عيني واضمحل وهم الحياة....يا صاحبي انظر الي جيدا هل انا هو انا ؟؟هل انا  نائم ام يقظان ؟؟ ..


المرتضى ولد محمد اشفق

الجمعة، 20 يوليو 2012



فضول قلم
المرتضى / محمد اشفق

كثيرا ما يثير فضول تفكيري التمعن في بعض الاساليب والمسلكيات النابعة اصلا عن الضعف العقدي وترسخ الفكر الاسطوري في مخيلتنا الثقافية .....هنات لم تقدر آلة صقل الدين المتوفرة والمتعددة والمتحصنة بالمرجعيات الصحيحة , ان تزيلها  بعد , حتى نرى عقولنا وافكارنا ناصعة قد تطهرت من ادران التخلف الفكري وتشويش المصادر ....
ظاهرة الخوف من العين امر مبرر...فالعين حق ..والله انها لحق ....تدخل الجمل القدر والرجل القبر.....لكننا افرطنا في الغلو ....واستسلمنا لضعف عقلي إيماني غريب على امة حررت العالم من الوثنية والتخلف وحيوانية التامل والتحليل...
فظاهرة القزع - وهي امر منهي عنه شرعا - منتشرة في مجتمعاتنا اليوم ...ما زلت اذكر انواع الحلق وكنت  من اصحاب تلك الاشكال: "العرف" وهو ترك مقدمة الرأس مرسلة.."التبيب" ترك حزام منصف للراس غير محلوق , يذكرناه جدار الفصل الذي تقيمه اسرائيل الآن في فلسطين, ..."الكطاي".وهي ترك خصلة تمثل نقطة وسط الرأس طويلة .."الكرن": ارسال خصلة كقرن الثور من احد جانبي الرأس ...."النباحة".وهي طاردة الجن تنبح البلاء...وهي ترك منطقةاستقرار الراس على الرقبة من الخلف دون حلاقة وقد تتعدد النباحات ....و"الزر" وتعني حلق نصف الراس فقط.....كل هذا لصرف اعين الناس عن استحسان الاطفال الذكور في الغالب..خوفا من ضرر العين...
اما المرأة فتلجأ الى وسيلة أخرى لرد العين عند النفاس....هي رسم مساحات سوداء على وجهها  اما بترسبات الدخان اسفل المراجل ايام كان الطبخ على الحطب , واما بغبار الفحم ....حتى لا تعان  اذا لم تظهر عليها امارات الضعف جراء النفاس , لان الاصل ان تظهر عليها علامات المرض من آثار الولادة...
الخوف من العين اوجد ظاهرة الكذب "المباح" ... لا نعني فقط اخفاء الامتعة المكشوفة امام الزوار ..بل ردود امهات الاسر على رسل بعض الجيران – خصوصا المدمنين على الطلب – الذين يلتمسون  سلف بعض الارز او السكر مثلا , فتحلف الام بيمين لم تنو عقدها ( والله يالتالي عندن ال استعملناه سابك امجيك اشوي ) , والله لقد نفد ما كان عندنا قبل قدومك بقليل او (عجيب مشين عند هاذ الا اعطيناه ظرك لهل افلان) واحسرتاه لقد اعطينا آخره لاهل فلان الآن (ما عندن ال لا ج فلعين اغرقره) ليس عندنا ما يسيل دمع العين ان دخلها....هنا ابداع غريب في المبالغة , تعبير عن التناهي في العدمية ...وكثيرا ما يفضح الاطفال كذب امهاتهم فيقولون ( عندن بعد ذاك فالصندوك) يوجد عندنا الارز والسكرفي الصندوق يا امي , فتلف الام اظافرها الى الطفل وتغرسها في فخذه  معاقبة له على صدقه...وقد لا يكون الدافع بخلا بالمادة بل خوفا من العين , كأن يقول الناس : زاد اهل فلان كثير لا ينفد بسرعة او الخوف من فتح الصندوق امام الرسول تجنبا لرؤيته المتاع....
هناك ايضا اللغة الجاحدة , فنحن نعبر عن غزارة لبن البقرة بقولنا (ابجغمته) و(اجغمه) في لغتنا كمية قليلة لا تملأ الشدقين, وعن غزارة المطر بقولنا (ج رش بعد) و(الرش) عندنا قطرات خفيفة لا تغطي سطح الارض , اذا سمعت هذه العبارة من بدوي اصيل فاعلم ان طوفانا اغرق الانجاد والوهاد.....واذا اردنا ان نعبر عن غنى الرجل قلنا (ابطشة...بنحيسة) ف(الطشة) القطعة الصغيرة من الشيء , و(انحاسة) قطعة نقدية وجاءت مع ذلك مصغرة , وبعد الحصاد اذا قال الفلاح عبارة ( اجبرت هبزه ) و(الهبزة حفنة اليد )فاعلم ان الزرع حاصره وغلبه , وان بيادره ضاقت بالمحاصيل...ولك ان تلاحظ  صيغ القلة في تلك العبارات كلها.....
وهناك ظاهرة بخل لغوية لا تقل غرابة عما سبق , هي رياضيا كالتعبير عن 1 ب – (-1) أي على طريقة (نفي النفي ) إثبات , فبدل ان نقول هذا كبش سمين نختار عدم الرضى , واسلوب الجحود فنقول (ما خاسر اعليه ش )  وحتى اذا عرضت على احدهم اكراما : دراعة راقية ...سيارة ...مليون اوقية سيقول لك (ما يخسر ش) اذا طبقنا القاعدة الرياضية ف( ما) تمثل اشارة (سالب) و(خاسر) تفيد السلب , فحصل الاجابي لكن بالمرور على السلبي...وينتشر هذا الاسلوب في عبارات مثل : (ماه شين) بدل جميل , و (ماه امحيل) بدل سخي , (ماه راخ) بدل جيد (ماه ابعيد) بدل قريب , (ماه محال) بدل متيسر ومتوفر جدا....ومن ذلك عبارة (لباس بيه) أي لا باس به , وهي تفيد دلاليا تعبيرا عن مستوى يتجاوز قليلا مستوى مقبول , لكن اذا قالها لك احدنا فمعناها : باهر...رائع...ممتاز. ...اما قمة البلاغة في التعبير عن تمام الرضى والاستحسان فبقولنا : (فلان افك من باس العين) اي انه متميز , او تلك الناقة (خايف من العين) اي ان لبنها كثير....
البخل بالجواب السريع : تسأل احدهم عن مقعد في سيارته (ابلد) الى نواكشوط , وتكون كل مقاعد السيارة لحد سؤالك شاغرة فبدل ان يقول لك نعم شرف لي عظيم ان ترافقني , يقول لك (اندور انشوف) سوف ارى....يضن برد سريع كريم , وكثيرا ما يوفر لك المقعد...واذا قال لك (اكد اعود ) فمعناها موجود يقينا ....لكنه التسويف , والتردد , ومغالبة بخل كامن تفضحه بعض اساليب الخطاب اللغوي عندنا....


المرتضى ولد محمد اشفق


الأحد، 15 يوليو 2012


المرتضى / محمد اشفق

تائه بين المواقع 
(نعيد نشره استجابة لبعض الطلبات)

ظاهرة الحنين الى الماضي تعبير عن افلاس الحاضر وعدم قدرته على توفير البدائل عما افتقده الانسان مع غروب شمس امسه...فيعوض عن ذلك بحنين الى ماض مفقود  , اوامل في مستقبل مجهول , يظن ان ما تسطره له احلام يقظته خير لا محالة مما يعيشه ويمتلكه....ذلك ان الخيال احلى من الحقيقة ....خذ صورة التقطت لك قرب بيتك فسيخيل اليك ان المنظر العام اكثر رومانسية من الواقع ..وبين المفقود والمجهول يتيه  الانسان في رحلة غامضة كلما قست جذبت , وكلما عذبت عذبت....
الامل وهم لا يدرك , ...فكم تحققت ءامال قادت الى ءامال غيرها ....وتستمر رحلة مطاردة المجهول.....
اما الحنين فهو توهم الانسان ان امسه خير من يومه... والماضي لا يعود ...انه مفقود لا سبيل اليه...وحين يرى الانسان تجاعيد شيخوخته , وارتعاش اعصابه , وترهل عضلاته....ويرى الموازين قد تغيرت...فلم تعد اوامره منفذة , ولم يعد رايه صالحا لزمان غيره , يحاول الفرار الى الوراء  , فيتحرك الالم والحسرة والحنين الى حقبة الشباب والقوة والنضارة وسيادة قيم المجتمع.....فتتقد لواعج الشوق لادراك المستحيل....
اما حنيننا اليوم فالى ايام سوالف , كنا نسمع فيها المذيعة الناه بنت سيدي تقول : هنا انواكشوط اذاعة الجمهورية الاسلاملة الموريتانية اليكم نشرة الاخبار مبدوءة بالمقدمة....(ما زلت اذكر وانا تلميذ في السنة الثالثة اعدادية قول استاذ اللغة العربية التونسي هادي احميده في بوكى: لموريتانيا ان تفتخر بالناه بنت سيدي نظرا لسلامة لغتها وحسن نبرتها وتوقفها عند الفواصل....)
كانت الاذاعة الوطنية مصدرا وحيدا للخبر في عموم التراب الوطني...لكن المواطن كان يصدقها بل كان يؤمن بعصمتها من الكذب والتلفيق.
ويمضي الزمن وتتلاحق مراحل تطوره لنصبح اليوم مع هذه الطفرة الغريبة من وسائل النشر وما تقذفه لنا على مدار الثانية من اخبار وكتابات....وكم رجونا ان تنعم بلادنا بثورة معلوماتية واعلامية تخرج البلد من حقب الظلام وندرة المعلومة والخبر ....كم رجونا ان يشرق يوم صحو ونرى السماء صافية قد اغتسلت من ادران الغيوم والاتربة والتعتيم....
نعم تحقق شطر الرجاء...فغصت ساحاتنا الاعلامية بالمواقع والصحف ...فاستبشرنا بتنمية شاملة تسح على البلد وتخرجه من عذابات الفاقة والجهل الى طمانينة السعة والازدهار....انتظرنا ان يرى المواطن في كل شبر قوة خلاقة وجيشا جرارا متراص الصفوف متوحد الهدف يزحف ليدك حصون حقب من التخلف والتهميش والظلم..لا بذخيرة تسفك الدماء وتنهب الاموال وتحرق العباد والبلاد ...بل بمعركة قذائفها كلمات طيبة وطنية بناءة , وافكار نيرة مخلصة تنبع من مرجعية الاسلام الذي يعصم للانسان حقه كاملا غير منقوص ....
كم انتظرنا ان تظهر اقلام شريفة ولاؤها للوطن وحده تنير للمواطنين الابرياء الدروب , وترشدهم الى الصواب وتمنحهم الحقيقة كما هي لاكما تهوى الاقلام , وتهديهم التحليل بريئا من شوائب الانتماء الضيق : عرقا او لونا او وجهة نظر سياسية...ان المواطن البريء تربكه هذه الاشياء الغريبة على تاريخه وحضارته ودينه وقيمه ...فالموريتاني محفورة في ذاكرته الثقافية ومكونته الاجتماعية صورة الكوخ والخيمة يتعانقان عناقا عضويا بلحمة اسلامية ترتل (انما المؤمنون اخوة....ان اكرمكم عند الله اتقاكم ...لا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى),  صورة العمامة والقلنسوة , خوار البقرة البيضاء وحنين الناقة الشقراء ...
ان المواطن البريء لا يفهم مفردات الزمن الرديء التي تجزئ غير المجزإ , وتتبنى الفكر الدعي الدعائي , ان المواطن البريء في خلقه وخلقه ركب من عجينة محظرية يمتزج فيها اذان الفجر بسورة الرحمن , والحبر الاسود بالالواح الخشبية واقلام "الجريد" والصمغ وفحم الطلح....و-عبد الاله الشنجطي يشتري....- في ولاته , وءايرمبار, ووادان , وغابو وشنجيط...
لكن هذا الانفجار الكبير ما ان بشرنا حتى انذرنا , وما ان انذرنا حتى دمرنا ....فعمدت مواقع كثيرة الى الغوص في اعماق عكرة تتراكم فيها الجيف والنفايات لتخرج وقد نتنت كلماتها وتلوثت افكارها , فحركت في القارئ حالة الغثيان وارغمته على التقيء وتشمير اللثام على الانف , بدل ان تنزل الى المياه الصافية وتوزع ما اخرجت من درر على زوار الشطآن النظيفة....
صفحات بعض المواقع انقلبت الى ميادين استعراض العضلات اللغوية والمهارات الفنية , واصبح الناس يتفرجون عليها تفرجهم على حلبات مصارعة "الكتش" ويتسلون باساليب التجريح والاقذاع , تماما كما يتسلى الاطفال وعديمو الثقافة بالضربة القاضية يصوبها الملاكم الى مقتل خصمه...
بعض المواقع يبدع في صياغة العنوان , فلا يتمالك القارئ عن نشر التفصيل قبل قراءة بقية العناوين , ليدرك ان الجهد الصحفي انحصر في جملة العنوان , كمن يطلق قذيفة لقتل نملة...
بعض المواقع ينزلق خضوعا لمتطلبات  السبق والسرعة الى التكبير اربعا على مزية التروي والتحري والتدقيق..فهناك صنف تعجله هذه الاكرهات عن الروية والصدق....وهناك صنف لا يعتمد على أي مصدر مهما ضعف خبره , بل يختلق ويروج حسب ما يمليه عليه المزاج النفسي , والراي الشخصي او السياسي ...وبين هؤلاء واؤلئك تضيع الحقيقة ويحن القارئ الى سماع السيدة الناه بنت سيدي تقول : هنا انواكشوط اذاعة الجمهورية الاسلامية الموريتانية اليكم نشرة الاخبار ابداها بالمقدمة....

 المرتضى / محمد اشفق

السبت، 14 يوليو 2012



المرتضى / محمد اشفق
أنا لا أجيد فنون الركوب
لذاك سقطت
وظلت وحيدا أراقب شمس الغروب
وهي تغوص , ويبلعها البحر
والموج يقذف هول الكروب
وثارت من البحر بعض القروش
توقد جوعا , وتنبئ أن حان ليل الخطوب
                   ***
           ***********
                   ***
لأنيَ خضت جميع الدروب
لأني حفظت دروسي جميعا
وقمت بحل التمارين في منزلي
لأنيَ لم أتغيب
ولم أتأخر
فقد كرموني بحق الرسوب
لمــــاذا؟
لأني تعلمت ألاأذوب
فذا هو ذنبي , خطير يفوق جميع الذنوب
لذلك قررت ألا أتوب

المرتضى / محمد اشفق