الاثنين، 10 يونيو 2013


نريد شعرا سامقا كالنخيل 
المرتضى محمد اشفق

......ويبقى الشعر اكبر من التعريف...فليس الشعر حجما يقيس عليه صغار الخياطين قماشهم , ولا مسافات يذرعها مخططوا "الكزرات", ولا كتلا يزنها جمارك البحر على موازين ملتوية الاعناق....وليس الشعر حفنات من ذرة او دخن اوشعير يكيلها المطففون في تجارة الليل...الشعر دفق ..وانسياب ...واقتحام ...واقتلاع.... هو مداهم مباغت ...وزائر دون ميعاد ودون طرقات استئذان.......الشعر عجينة من عناصر الحياة المختلفة المتجانسة والمتضادة والمتنافرة...الشعر استطاعة وقدرة ...والشاعر هو من يخلق من هذا العالم المترامي المساحات , المملوء بوحوش الليل وعصافير الفجر ...المزدحم بالحرائق والمروج ....المتنفس بالفيح والشذا....المثقل بدعاء المستغفرين بالاسحار وسكاكين لصوص  العتمة مولودا يحمل جينات هذا العالم كلها...
الشاعرهو  من يمتلك المنشار والمعول والعلاة...وحفنة بارود وكيرا لا يتعطل , لينحت ..ويهدم ..ويركب .ويحرق ويفجر..ويجسم...ليس هناك شيء يسمى مائدة الشعر تنزل من السماء على صحون من فضة تحملها الملائكة الى خوان الشاعر....الشاعر محارب لا ينهزم ..ولا بد ان يمتلك ادوات المعركة....وهي كلماته الخاصة المشحونة بدماء فكره ..وصوره التي انشأها أول مرة من مفردات ومعان ودلالات متحولة في كل مراحل الرحلة في خريطة النص بتضاريسه المختلفة....ومناخه "التيفسكي " الجميل....
لكن ...عندما نتابع قراءات شعرية لبعض شعرائنا اليوم نستخلص اننا لا نفهم لغتهم او انها فارغة من قيم الشعر....وقد نهتز ونتمايل  ونحن نرى شاعرا ينشد قصائده وتصيبه "حال الشعر" , فيفنى في نفسه , وينفعل ويتفاعل حتى تزعجنا احيانا تلك " الكريماسا" التي تعبث بوقاره , وتجعل من صفحة وجهه مسرحا سمجا لحركات مضطربة وغريبة...لكنه اهتزاز يشبه  اهتزازنا على ايقاع  لامية الافعال , ونظم الاخضري , وصوت سوط الجلاد  , ومطرقة الحداد , وضربات القادوم يهوي بها قتلة الشجر على جذوعه ...هو استجابة لا شعورية لنظم الصوت وليس استحسانا للمسموع.....قد نستمع ايضا الى نصوص بلسان عربي مبين...فيها شيء من خميلة الشعر ودثاره ,  لكننا نفاجأ بان ما هيانا من قداح  لغمامة خلناها حبلى بآيات بديعات من ترانيم الفن و الابداع ظلت فارغة ...فقد طار كل ما توهمناه شيئا جميلا وفكرة ساحرة آسرة ,  ومات عندما اطبق شاعرنا شفتيه....كما لو كنا نتابع فقاعة من صابون ينفخها الطفل فتسبح قليلا في الهواء ثم تختفي دون اثر ...
قديما حكم على بعض شعرائنا  ان يحاكوا شعراء الجاهلية والعصور الذهبية للشعر عموما...لتشابه المحيط الطبيعي ونمط العيش ...كالخيمة والجمل والصحراء والرحيل...ولما كانت اسماء الاماكن في بلادنا وحسنوات الشعراء عصية على الوزن الخليلي حنوا الى نجد , وتهامة , ووادي العقيق , بل وحومانة الدراج وحومل , بدل علب آدرس , واكصير الطرشان, و بومبيبيغ , وتامرزكيت واغشوركيت....وتغنوا بجيد هند , وخصر لبنى , وخد ليلى , و فرع دعد , بدل اخويداج , وامريم السالمه , وام اتبيبيب , واسلم اخواله ...معللين ان تلك الاماكن وعذارى الشام ونجد  تحولت دلاليا الى رموز و فقدت علميتها ....وان رأى البعض ان للموريتاني وطنين : الاول هو هذه الارض البرزخية التي لا يقتنع بها مستقرا ولا مقاما , والآخر وطن روحي عاطفي , يواصل الحنين اليه رغم بعد الدار , و يتجلى ذلك في اسماء القرى العشوائية المتناثرة على الطرق المعبدة :  ستقرأ وانت في رحلة من الاك الى نواكشوط حاضرة بغداد , وجدة , والقدس , والصفا , وعرفات , والطائف , والدمام , والرياض , والبصرة , والفلوجة....الخ والغريب ان جل هذه المسميات ليست نابعة من العاطفة الدينية اذا ما استثنينا القدس وعرفات وام القرى مثلا...
كان كثير من شعربعضهم رياضة تقليدية , تستعرض فيها عضلات الثقافة المحظرية شعرا وتاريخا وقاموسا....كان نشاطا ارستقراطيا تحتكره النخب العلمية لان عامة الجمهور لاتستهلكه , ويوغل بعضها في الاغراب اللغوي والبديعي والبياني حتى يظهر النص شكلا معماريا تتحكم فيه الزخارف والمهارات الهندسية بعيدا عن روح الشعر ليظل اهل الصنعة بنى فوقية تحتل قمة هرم الطبقة العلمية...
لم يستطع بعض هؤلاء الفكاك من اسر الصورة الشعرية المومياء...الصورة الطلل التي كابدت رحلة شاقة ركبت فيها البغال والحمير والجمال , وسلكت المنعرجات حبوا , والانجاد زحفا , حتى ارهقتها العصور المتواليات من امرها عسرا....ورغم انها جاءت هيكلا غير متكماسك الاعضاء , فقد نصبها بعض شعرائنا آلهة للابداع البلاغي وجعلوا منها مثالا فنيا أعلى يتحصن بالعصمة والقداسة...صحيح ان ولد الشيخ سيديا ادرك ان الشعراء تحاصرهم ازمة ابداعية لا مخرج منها  فقال
يا معشر البلغاء هل من لوذعي         يهدى حجاه لمطلع لم يبدع
اني هممـــــت بان اقول قصيدة          بكرا فاعياني وجود المطلع
هي ازمة قديمة جديدة عبر عنها بشكل ما ومنذو عشرات القرون عنترة بن شداد بقوله :
هل غادر الشعراء من متردم            ام هل عرفت الدار بعد توهم..
حاول بعضهم تعريب المسميات - وهي ايضا عقدة خبيئة فينا – فسموا علب آدرس نجد البشام , واغشوركيت الجذيع ..
تملصا من كل ما يؤكد ارتباط ارض المرابطين بالبربر....متناسين ان ما تختزنه كلمة علب آدرس , واغشوركيت , وتامرزكيت من المعاني , والدفء , والحياة, بعيد كل البعد عما تحدثه كلمات : نجد البشام , والجذيع , وميمونة السعدى....فالاولى تهز كيان ابن الصحراء بتلقاية طبيعية ,  وبعفوية بريئة , لانها تتدفق بكبرياء التاريخ  , وعبق الثقافة , و سمو القيم , تستيقظ فيها الطفولة النائمة ...ويقطع فيها قرآن الفجر صمت الليالي الباردة ...وتنساب حكايات جداتنا عن "عنز البزي" و"بواتويلتميت من لحديد " منوما طبيعيا يسحب اليقظة من عيون الصغار...اما الاخرى فاشبه بصفحة تفسير الكلمات الغريبة في كتاب مدرسي ابتدائي , او ان تقول لطفلك ناولني قدحا من H2O لاشرب واتوضأ بدل ان  تقول الماء...
رغم هذه الاستثناءات فان جيلا عظيما من شعرائنا وعلمائنا فجر نهضة ادبية وعلمية في ظروف قاسية تطبعها البداوة والترحال , وشح المصادر والمراجع , ووسائل التدوين , في وقت كانت فيه الامة الاسلامية تعيش غيبوبة فكرية , وانحطاطا علميا دام قرونا ....ولكن الامر والادهى من كبوة العرب , ان احفاد ولد رازكه , وولد الطلبه , وولد الشيخ سيديا , ومحمد محمود ولد حبيب الل ومحمد يحيى الولاتي , وولد الحاج ابراهيم ( وكلنا احفادهم) وغيرهم كثير من اعلام امتنا ما زالوا يقفون اليوم امام تلاميذهم في درس الادب ليعترفوا بفداحة ما ارتكبه المؤرخون والباحثون العرب في حقنا حين اغفلوا وتجاهلوا نهضة منقطعة النظير احتضنتها بلاد صحراء شنجيط , يقولون لتلامذتهم بعد توطئة عن عصر الضعف : ...وبدأت النهضة العربية مع جيل الرواد والرعيل الاول : البارودي واحمد شوقي وحافظ الخ ...الا يعلمون ان قصائد اجدادهم تغنت بها ركبان الملثمين قبل ان يولد البارودي وشوقي وحافظ؟؟؟؟؟؟؟
اما بعض شعرائنا " الحداثيين" فقد دأب على التقاط  قطع مختلفة من موائد الشعر الغريبة علينا...واذا نحن امام صحون تعج بابزار مختلسات من مطابخ نزار قباني , وابي ريشة , ومحمود درويش....نحن لا نعرف التوت ولا الزيتون  ولا الصفصاف لكننا نعرف النبق والبلح وتيشط وآتيل...ولا نعرف جبل الشيخ  , ولا دجلة , ولا الفرات  ,ولا بردى , ولا النيل الا في السياق التاريخي والحضاري المشترك...ولانعرف السندباد , و لا عشتار ( ولا يجوز ان نرمز بالمسيح  الى ما يرمز اليه به بعض  الادباء المسيحيين  , فالمسيح عندنا عبد الله ورسوله وكفى) ...فاذا تعلق الامر بمرجعيات زمكانية فان ايام مقاومتنا , و"كيعة الاك " و"تامورت انعاج" و"اشتف " و"جوك" و" آكرراي" و"اكليب إنيمش" وحوض آركين ...وبحيرة كنكوصه....  الخ احق ان تكون من مفردات احالاتنا المرجعية.....
حاول بعضهم تعويضا عن ضحالة الزاد اللغوي ان يتخفى وراء الغموض والايهام بالرمزية القاصرة....تسمعه يقرأ وينفعل ويشبع الامداد ويستحسن مقاطعه وصوره  لكننا – معشر المستمعين البسطاء – نظل في واد لا تصله الا اصداء صدئة غامضة تظل حروفها متدثرة بغشاء سميك من العجز والبرودة تخاف ان يفضحها النور ويصيبها الاغماء من رطوبة الاثير..
اننا اليوم بحاجة الى شعر نفهمه...شعر يكون ابنا شرعيا لتجاربنا الذاتية , لا لقيطا نستجلبه من مغاسل الآخرين لنزور له هوية وطنية...اننا بحاجة الى لغة شعرية فيها عمق البساطة وبساطة العمق ...الى ابداع حقيقي يهزنا ويذيبنا ...يميتنا ليحيينا.. نحس معه بالمتاع ....نسمع بين انفاس حروفه وجيب القلوب واناة الافكار ....نشعر فيه ان عصافير الحياة تغرد فوق كل غصن من حقوله آمنة مطمئنة....شعر يحلق بنا الى الفضاءات الرحبة بعيدا عن تحتية الالتصاق بالكلمات الخجلى والعرجاء , واساليب الانبطاح والعجز....اننا اليوم بحاجة الى كتابة بحروف وطنية , ولغة وطنية , وصور وطنية , وبلاغة وطنية , لاشرقية ولا غربية ...نريد ان يكتب شعراؤنا بمفردات تنتمي الى تموج صحرائنا , وشموخ جبالنا الملتحفة بالضباب , وكبرياء كثباننا يلسعها لهيب ايار , نريد ان نسمع همس امواج المحيط , ولغط اخاديد شمامه ....نريد ان تتعفر نضارتنا برماد غاباتنا المحترقة ....وتتبلل بنوار مراعينا الخضلة ...نريد شعرا سامقا كالنخيل ...رائعا كصهيل خيل المرابطين ,  مدويا كصرير اقلام محاظرنا ....هادرا كبحار مداد محابرنا , شامخا كهامات الواحنا الخشبية مصطفة متراصة تتحدى الابالسة من اقزام العولمة , وادعياء التقدم باسم حداثة بلا جذور....

المرتضى ولد محمد اشفق

الخميس، 23 مايو 2013


فضول قلم :

المرتضى /محمد اشفق
الشاعر لا يسعى ليكون شاعرا....ولا يبحث عن اعتراف به ككيان وهمي....ليس بحاجة الى ان يقول له الناس : انت شاعر كبير... الالقاب اوعية محدودة السعة , والشعر نغم مطلق لا يسعه فضاء ..
الشعر رفض للمهدئات والتاجيل والحلول المؤقتة... 
الشاعر كائن متوحش متمرد لا يانس بما تواضع الناس على تسميته هموم الحياة وغاياتها ...هو لا يرضى  الا بالعيش بعيدا في براري الفكر حيث لاسلطان الا للفن....
اذا اردت ان تقتل شاعرا فدجنه ...استقدمه الى قصر صاحب المقام العالي...سيخلع – مطيعا- عن راسه تاج القوة والكرامة والكبرياء ..سيتنازل عن رجولته لان في القصر رجلا واحدا هو امير المومنين.. سيفقد فحولته الشعرية ويتحول الى خروف ضخم  يسرح في الحديقة , يرعى الكرم والتفاح ويسبح كبطة بطينة في برك مرمرية.... وينقلب الى ببغاء يردد كلام السلطان , وحرس السلطان , وخدم السلطان ....ان اقتراب الشاعر من كل ذي مقام كبير يضعفه ويفقده لغته الخاصة ...واحتساءه فضلة قهوة الامير سيجعله ينحني ليدخل من الباب القصير المخصص للاقزام , ويصبح شاعرا بلا قضية...ستتحول نار الشعر فيه الى غنج وتخنث وتكسر.....ستتدلى خاصرته ...وتنتفخ بطنه كحبلى مدللة....سيلد في كل مناسبة قصيدة من ذوات الاحتياجات الخاصة بعملية قيصرية ... سينسيه النعيم بؤس المحتاجين واوجاع المظلومين وقدر المحارفين....ستزكمه النسائم العليلة فلا يشم رائحة الالام المتاصعدة من رحم الارض الجرداء وتلك لعمري اولى نطف الخلق في دنيا الفن والابداع...
فرق كبير بين الاسد الملك في عرينه...جائعا يجري ويكدح ليعيش وبين الاسد وراء القضبان في حديقة الحيوانات...تقدم اليه الوجبات الدسمة مجانا...فضمور الاول وشعث شعره وجلده امارة الفحولة والقوة والكبرياء....وانتفاخ الثاني المترف والمتخم بتراكم الوجبات يحوله الى كومة لحم تتعطل فيها حرارة الفعل والارادة....
اليوم ارادوا من الشعر ان يكون رياضة ونشاطا ترفيا ترفيهيا  وجرا للذيول في الساحات المخملية.....حولوه الى بطولات ودورات ...جعلوه كقطعة اثرية  ينادى عليها بالمزاد العلني...ويشارك في تحديد قيمتها الاميون والعامة وحتى النخب والمثقفون الذين لا شان لهم بالشعر ونقده وابداء الراي فيه.....مسابقة امير الشعراء غريبة لانها لا تخضع لموازين النقد والذوق....هي مسرحية "سمينة ومتخمة" على طريقة ديكور "الف ليلة وليلة"  .... جمهورها كجمهور كرة القدم....خليط من هواة ونخب وفضوليين واميين ومشاغبين ومهرجين...ولصوص...الكل ينشد فوزا قد يحصل عن طريق تسجيل احد اللاعبين هدفا قاتلا في مرمى فريقه.....الغالب فيه هو جو الاثارة والترقب ... القائمون عليه يشبهون ملاك النوادي من الشخصيات المترفة التي تتسلى وتتاجر بالرياضة...اليست النوادي الرياضية اليوم ابتعاثا لنخاسة جديدة  حيث يباع اللاعبون في اسواق النخاسة الرياضية كعجول سمينة يتدفق لها لعاب الاثريا الممارسين رياضة الاكل....هل معنى ذلك ان دنيا الفن ستشهد فتح اسواق النخاسة الشعرية ...لنرى اذن الشعر دامية بيد نخاس يقول له انت امير ايها العبد فاشكرمن استجابوا للعبة وفتحوا خزائنهم ياكلها غول الsms ...قبل اخمص قدم من شارك في تدفق اموال البسطاء باسم النعرات تتربح بها الفضائيات وشركات الاتصال ... ومن تفننوا في تحاليل وتعاليق رخيصة يتسلون بها وهم يتلاعبون بمشاعر الشعراء وداعميهم - على طريقة من سيربح المليون- بخرجات الفضول واللغو فيها غالبان على الراي النقدي الرزين المتبصر والمدعوم بالادلة والبراهين...
وعلى كل حال ان كان هذا راينا في طريقة المنافسة ...فاننا نرجو لقاماتنا السامقة في ساحة الشعر النجح والتوفيق...
رحم الله نزارا حين قال ذات يوم:
(ظاهرة الالقاب هذه لا توجد الا لدينا , ولعلها من مخلفات عصور الاقطاع , وموروثات الامبراطرية العثمانية , حيث كانت النياشين والفرمونات والاوسمة التي يحملها الانسان اهم من الانسان نفسه , ...وهكذا صار للشعراء امراء....وللطرب ملوك....وللنثر سلاطين...بحيث لا يموت خليفة على الشعر الا ونجتمع لنبايع خليفة اخر...ولا نتخلص من ملك حتى ندق الطبول لملك جديد....كان قانون السلالات الملكية ينسحب ايضا على السلالات الشعرية..)
وحين قال:
نرفــــض الشعر مسرحا ملكيا          مـــن كراسيه يحرم البسطاء
نرفض الشعر ان يكون حصانا         يمتطيه الطغاة والاقويــــــاء
شعرنـــا اليوم هجمة واكتشاف         لا خطوط كوفـــــــية وحداء
كل شعر معـاصر ليس فـــــيه           غضب العصر نملة عرجـاء
مـــا هو الشعر ان غدا بهلوانا         يتسلــــــــــى برقصه الخلفاء
ما هو الشعر حين يصبح فارا          كسرة الخبز همـــــه والغذاء
الفـــدائي وحده يكتب الشعر             وكــــــــــــل الذي كتبنا هراء
انه الكــاتب الحقيقي للعصر             ونــــــحن الحجاب والاجراء
عندمــا تبدا البنادق بالعزف             تمــــــــوت القصائد العصماء

الاثنين، 13 مايو 2013



المرتضى/محمد اشفق
الشمع الأحمر





هل يمكن لغبار السنين المتتالية أن ينقشع فجاة وفي الحفرة قبس متوهج؟؟؟؟ ما كان صاحبنا يقدر وهو يرتب الارقام السبعة ان الصوت الذي سينبعث يختزل مسافات زمنية طويلة ؟؟وكان حديث عابر لغوي , فيه مجاملات باردة....لكنه انتهى وفي النفس حروف كان ينبغي  ان تخرج....فتحركت..ونمت....وتمددت......وكبرت......وضاق بها الصدر...فتحسست طريقها , وانقضت على المقبض وخرجت عبر الارقام السبعة....واذا الصوت يحمل حرارة , وعطرا, ودنيا....ثم تواصل انين الحروف وهي تكابد ولادة عسيرة لجنين شاخ في الرحم.....ثم كانت ليلة....كان كل شيء هادئا.....النجوم متدثرة بالغبار, وموجات البرد الضعيفة تتحرك عبر فترات متباعدة, وسكن الليل وساكنة الليل......الا من لغط المراهقين يضربون في الارض على غير هدى يفنون بعض طاقاتهم , ويهدرون بعض عافيتهم عبر امواج الدخان يقذفونها من افواههم في كل اتجاه.........وكان الحي الهدف يشهد انبعاثا مفاجئا لاضواء المصابيح اليدوية, اغلبها عند شيوخ يبحث بعضهم عن عجول كبار استانسوا بالراحة والدفء وراء الدور الخربة بدل جلد الحلابين والضروع الفارغة, وبعضهم يبحث عن نعاج ملت المغازلات الاليمة لاثدائها كي تجود بما لاتملك....وربما وجه اليك بعض هؤلاء الشيوخ مصباحه متوهما انك الضالة او ليستخبرك عنها....
التقيا من قبل عرضا, في تقاطعات متباعدة , لكن الاثارة كانت نائمة , اما حديثهما الان فكان اكثر حميمية من ذي قبل او هكذا خيل اليهما وهما في نقطة البداية , وبذل صاحبنا الجهد كي يختزل عبر فترات الشرود والذهول والحيرة , والفناء في لحظة العدمية.........وكانت اعتذارات من هنا وهناك تشد الى الزمن الميت واخرى تحاول ان تجر بعناء الى الزمن المفقود.........
سرحا قليلا...حاولا ان يجترا من الماضي ..لكن..؟؟؟ ما أقسى ان نبحث عن موجود مفقود ....وما اتعس الانسان يحاول ان يغير اتجاه الزمن, او ان يوقفه...مستحيل ان تعيش الماضي حقيقة ويقظة , بل تعيشه حلما وحنينا.....تختلس منك لك لحظات تنعدم فيها , وتتحول الى عوالم من السحر, والجمال , والصفاء المطلق , تفر من الزمان الى اللازمان , ومن المكان الى اللامكان , واذا انت شيء لاشيء , سابح غارق في حلاوة العدم, لارقيب ولاناس , كافر بالسبل القبلية والبعدية...ثم تحين لحظة الماساة , لحظة الانتباه المفاجئ والعودة الى الرشد ... واذا الحاضر يشدك شدا عنيفا ليخرجك من عذوبة ضلالك , ومتعة غيك , ويرميك في ضجر الوعي وءالام الصراط المستقيم.....
اعترفت انها حصان من تاثيرات الزمن , بل ان الزمن اضعف من ان يوهن الطاقات الفائقة , وان في التفاصيل التي ترويها برهانا على صدق دعواها..... ثم تدرك ان للزمن اثارا وانها بادية ...وان الكلمات التي كانت تتحدث بها في الماضي بريئة ,, عفوية , فيها شغب الطفولة , وعبق الاسحار,, اما كلماتها الليلة ففيها وقار, وشيء من الانحناء , وفيها اسلوب السرد الواعي الملتفت الى الوراء ,.. كانت تدرك انها الهدف وغير الهدف, كانت تبحث عن شيء ما , تعبت..اعتذرت..., تاهت في منحنيات القصص الرخيص لكنها لم تهتد الى نفسها.....كان صاحبنا غارقا الى اذنيه في بحر الحيرة ..والشرود...لقد انفصل عن ذاته....وهو يستمع ولا يسمع شيئا...كانت الجمل كالغيلان تصفعه...وكان ينتبه من حين لاخر فيدرك انه خال الوفاض من الكلمات وان لسانه مشدود الى وتد...او كانه في غابة حروف محترقة.....ينظر تلقاء نفسه فلا يرى الا رمادا باردا.....تراكم الليل على بعضه , وثقلت خطا المارة, وهما يحلمان ,, ويصغيان الى اللاشيء, والتقت يداهما على قنينة الشمع الاحمر...
                                                          المرتضى/محمد اشفق 


المرتضى / محمد اشفق
الديمقراطية المحنة 2

هاذم اللذات، مفــــرق الأحبة... لو سألت مشرد الأزقة، أو حتى غراب المزبلة عن المقصود لأجابا: الموت... كان هذا أيــــــام كان الموت وحده مفرق الأحبة وهاذم اللذات، الموت ظاهرة حتمية وقضاء ماض دون تعثر هو الغول الــــذي يهـــــدد هدوء الـحياة وطيبها، لكنه كان ظاهرة مألوفة تصد أثار جحافـــله مهما بطشت وفتكت بسلاح أمضى وقوة أعظم هي الإيمان... ثم  نزل أهل بيت لئيم (الفكر الهزيل ورداءة الزمن) والقيا عصا التسيار في هذه الأرض وطاب لهما فيها القرار... وجاءت المشؤومة وسبق الجسم العقل إليها وخطب فيــــــــها البلغاء وحاز باقل جائزة الـــــخطيب، وخطبها كل فحل وكل خصي، وإذا العجوز الشمطاء برزة  بضة فـــي أعين العور، فانتفخت أجسام  رغم النحول، وألف الأميون المجلدات فـــــي شتــــــى صنوف المعرفة، وملأت لحى النساء ما بين مناكبهن.. وتدفــــــق الــــــحليب مدرارا ومغزارا من أثداء الرجال المتدلية كأورام سرطانية، وهم يتمايلون يجرون أعجازا كحناطير الاسكندرية، والطوابير كيلومترية فـــللشاب مصة وللشيخ مصتان، فرأينا الأقزام يتطاولون إلى تلابيب القمر، ورأينا ذوي الأظافر القرعاء يحفــــــــــرون فــــــي الصخر ليؤذوه، ورأينا أصحاب الأرجل القصيرة يتـسلقون القمم... وامتلأت السوح بشيوخ بني المصطلق يبكون الناس بمواعظهم  وعجائز بني قريظة يحرضن القوم على الوفـــاء والنقاء وسلك الصراط المستقيم... ونجحت الدعية فـــــي إغـــوائنا فـــعبدناها.. شهدنا بنبوة مسيلمة وصلينا وراءه... استمعنا من أبي لهب لدرس الفقه والقرءان... وتحلقنا حول سجاح تشرح الموطأ والأربعين... انتفـــخت بطوننا كالصهــــاريج ولم نشبع، وامتلأت الجيوب بالــــمال الساري فـــــي دهمة ليل بشع من الـخزي والعار، وظللنا مساكين نستجدي بائعات القرنفل والنعناع...  وإذا نحن كرمال الصحراء نرحل يمينـــــا وشمالا، وتمتد ألـــسنتنــــــــا صوب المشرق لتلحس الفــــــتات القادم مـن الشرق، وتنساب أذرعا نحو الــــمغرب لتلعق الصديد الـــمتدفق من الغرب... ما أرحم الموت يدفــــــــــــن ضحاياه رغم الجراح النازفة إلـى حين... أما أموات الدعية فجيف تملا الشوارع والقصور وحتــــــــــى أكواخ القش وبيوت الـوبر، ويظل النتن ورائحة الدود المزدحم والصراخ المتواصل من ألم المتعة وعويل الأعراس المقرفة أغنية الأفاكين.

الضائع اليوم من فكر فــــــــي رحلة البحث عن الذات، أمس رحلنا تجارا ومتعلمين إلـــى ما وراء البحار لنحميها واليوم عدنا تجـــــارا وعلماء لنبيعها بثمن بخس.. دراهم ملفوفــة...عدنا ووجوهنا حديد أكله الصدأ وحياؤنا آوى إلى وكر لبد..

عدنا لنفتح  أسواق الــــــنخـــــاسة الــــسياسية.. ونــــبيع حشــــفا وسوء كيلة... والقوم يلحنون ويربحون... وعلـــــى كل وضم تتناثر مزع قصيدة جاهلية عافتها الكلاب الضمر.. المحظوظ منا من قبل بعد امتحان عسير عضوا وضيعا في جوقة الزعيم... مطبلا أو مزمرا.. أو متسولا سياسيا أو لاعق ملاعق... أو عجلا سمينا في القطيع المعد للذبح.... قدر علينا أن نظل فــــي رحلة الــــــتيه والضياع نطارد أطماعا عراضا فــــــي سنوات عجاف... قدر أن نرى بقرات عجافا وأخرى أعجفها الـشحم، وسنبلات يابسات وأخرى أيبستها الخضرة.. ويموت العزيز وتأتي العير فإذا الخازن يؤسف، لا يوسف...  

( حذفت المشاركة خطأ ولما اعيد نشرها سقطت التعليقات : فالمعذرة)

الخميس، 7 مارس 2013

المرتضى / محمد لشفق

الديمقراطية المحنة(1): 
كانوا صغارا يكتفون بالفتات وما يانف الكبار عن حمله من رخيص المتاع  لصيق الارض , ..يخرجون اليه في العتمة ويعودون باجربة ملئت حشفا ومزعا متسخة وسرجينا وتارة بارجل الصراصير.
كان دورهم التفرج من بعيد وترديد عبارات التمجيد الزائفة ..اما الغنائم وشرف الانتصار فللكبار, والصغار- بفتح الصاد - فللصغار..
في الصباح تحدث معركة ضروس تستخدم فيها السكاكين والقواديم مع حركات متقنة من سواعد مفتولة لرجال اشداء ...الضحايا قطعان شاء وابل وبقر ..تنقل اخيرا بعد عملية الفتك والتقتيل الى قبورها..القبور هي بطون الناس....عندما يخيم الليل ياتي دور الابطال الصغار...كلاب سائبة وقطط  تلتقط ما استقذره الجزارون..وكم هو ضحل ما يتعفف الجزارون عن حمله وبيعه..
هناك جزارون ءاخرون يبيدون قطعانا ليست من الشاء والابل والبقر ..هي قطعان ءادمية...وهناك دواجن صغار ليسوا من الكلاب ولا القطط السائية ..بل من ولد ءادم...يظهرون في مجازر السياسة اول امرهم
ملثمين , مقرين ان عملهم حقير واهدافهم وضيعة , لذلك احتاجوا الى الليل والهمس والاقنعة التنكرية..ففي الناس بقية اخلاق..
وعندما يشتد لهيب المعركة , ويكثر الضحايا و الغنائم ..يتدفق لعاب الشهية مدرارا وتسيل اودية وبطاح بقدرها..ويتزاحم الناس الساق بالساق والمنكب بالمنكب والضرس بالضرس لا ليرصوا صفوفهم في الصلاة ولا ليقبلوا الحجر الاسود...هنا يحتاج الكبار الى الصغار في المعركة فيشرعون لهم حق التطفل من قريب لكن بشرط قاس !! لابد ان يخضع كل الصغار لعملية خصاء حتى ينسوا انهم كانوا رجالا ويسخروا من مهزلة الشرف والشهامة...ثم يسمح لهم ان يدخلوا خدر الحسناء دون ان يؤذوها.
بعض الكلاب والقطط الداجنة لم تعد تتجشم السرى الى المجزرة البعيدة ففي ما يبقى على الاوضام مما ياباه المشترون بل ما يفوق حاجتهم ما هو اغلى واطيب واقل كلفة...الصغار ايضا فاقدوا الرجولة اصبحوا يرفضون ان يصنفوا مع غير اولي الاربة من الرجال فقد اكتنزوا لحما وطبقوا شحما والزمن اصبح اكثر رداءة والقيم اشد ضعة...لكن فعل الذبح الذي مارسه عليهم الجزارون السياسيون جعل نصيبهم لا يتعدى الفتات الملتصق بافرشة الطعام ...حبات ارز وقطع لحم ممصوصة وعظام مهشمة استعصت على اضراس الكبار...هل نسوا انهم كانوا يصطرعون عليها حبوا على الركب والمرافق وزحفا على البطون لان قاماتهم تعودت حالة الانبطاح...
وذات يوم حمي الوطيس ووجه الكبار سلاحهم الى بعضهم ....وبطشت سكين الجزار السياسي بكرش منافسه فتدلت الاقتاب وما حوت الحشايا من الشحوم....واذا صغار الامس يتدافعون لياخذوا مواقع اشد هبوطا...فسمح لهم ان يكونوا دروعا بشرية واجساما مفخخة فاحتاجوا الى وقود يتناسب وحجم الحركة...الى علف زائد...فصار لهم ان يتلقوا الكدمات والصفعات والبصاق على الوجوه ونتف اللحى.....ثم تلبد الفضاء السياسي بغيوم اقتم وتحركت الاعاصير والزلازل...وبعد ان هدات الطبيعة واستوت السفينة في قعر المستنقع تشققت الارض عن اؤلئك الصغار في شكل مخلوقات مشوهة يقتلها الضوء وتختنق بالاكسيجين..ولهث الجميع في حمارة القيظ وصبارة القر والقوا كل الاقنعة التنكرية فما عادوا بحاجة اليها ولا الى  الليل والهمس...لهثوا وراء العجوز القبيحة وعقدت انكحة سياسية بين المحارم ودون انتظار لاكتمال العدد ففي الفقه سعة وفي الفقهاء انفتاح و سماحة....حاولوا تلميع الهدف...حاولوا ان يجعلوه نبيلا لكن الصورة ظلت معتمة فالعروس لا يبني بها الا الخصيان...عاد الكبار الى مدارج لم يتجاوزوها اصلا , الى طفولتهم السياسية ..اما الصغار فحاولوا استنبات لحاهم لكن اثداءهم كانت تتدلى.
                    
                                                                   المرتضى ولد محمد اشفق 

الأحد، 10 فبراير 2013

المرتضى محمد اشفق
ضياع....

اطل على الكون محترزا                                 فكل الصغار فلاسفة وجهابذة
مثل عين الخليفة في السحر                            ويجيدون نقل الزكام
يمتطي الليل                                                 وعلم الكلام
والغول                                                       يبيعون فقه الصلاة
والقر يلسع نجما نحيلا                                    وحكم الصيام
 يمص ثدي ليال عجاف                                  وفضل القيام
يجر عليها عباءة فجر جريح                            ويزنون فجرا وراء الامام
يرى سوءة الكون                                         فلملم اشياءه الفجر
والناس في التيه يصطرعون                            وارتد يعوي وراء القتام
فيرتد في رحم الليل
نونا تعَشّق قاعا
تعشّق صمت الكمون                                              المرتضى / محمد اشفق
   
حياتك تيه
وسكر انين
كيانك وهم
حطام يمزقه الشك
يفرغه من بقايا يقين
يعذبه قلق في دروب مساء حزين
جراحك تشرب من دمها
ويحاصرها وجع في لهيب الحنين
وجيب فؤادك رعد يخيف الرؤى
ويرش على الكون لون الجنون
والَارض بحار
ونار
وموج وثلج وعار
وآفاقك الغبر تجلدها رامسات السراب
وبين الذئاب
وبين الكلاب
تفرقت اشلاء خيل عراب

الا ايها الفجر
مهلا
اما صرت تفهم فصل الخطاب
ولحن العذاب
اما صرت تفهم من مفردات الزمان الغبيٍّ
الغويٍّ
الدعيٍّ
ستسمع جعجعة لاتبين
كهمس الغروب
كنبض الشحوب
كعجز الشعوب
امامك يا فجر اكذوبة
وبخور بغيّ تصاعد فوق المآذن
فوق القباب
وابليس قد بال فوق النيام
امامك قطعان شعر
تَحلَّقُ حول معالفها
وتنقب في الارض
تخرج حبا تخلف عن معد المتخمين
وسرب حروف محطمة
ومدجنة
تتبرج للميتين

ولا تبتئس ايها الفجر
سوف ترى من يبيعك امّا
وارضا
وشعبا وحلما
وعلما وفهما




الأحد، 20 يناير 2013



   
رأي بعض معارضي الشعر الحر: ما الفرق؟

قال نزار قباني                                 صفحة من دين الهادي
قاتلت بالاسنان                                  ابركت
كي احمل الماء الى قببلتي                    كيلين من كسكس محمد سالم
واجعل الصحراء بستانا من الالوان        كوش
واجعل الكلام من بنفسج                      لبر لال
وضحكة المراة من بنفسج                  طون من سموه بتريت 3200 اوقية شهريا 
وثديها قمة عنفوان                           حمل بقرة واربع مسامير من افير 12 الى لمدن
قاتلت بالسيف وبالقصيدة                    كيل ولبرسليا
كي احمل الحب الى مدينتي                اخلاص سرج من لعليات  من اغشوركيت للاحصاء
واغسل القبح عن الوجوه والجدران     لوحة الفخذ
واجعل العصر اقل قسوة                    فظة البرامه والحلاب
واجعل البحر اشد زرقة                    اخلاص ازيانت الدكتور لاطفيل
واجعل الناس ينامون                        تصوير اميلمنين
على شراشف الحنان                       لوحة امج الوزير
قاتلت عصرا كاملا                           ابره
كي اشعل النيران في ذاكرتي             حبة من براساتمول
وفي ثياب من تبقى من بني عثمان      ميطر من لحبال
واوقف الذكور عن ارهابهم              درباي
وانقذ النساء من اقبية السلطان         كيلين من ملوس
حفظت للكلمة كبرياءها                    تاغط من سم الفيران
ولم اسافر مرة واحدة                     بكطين من طبشور بودو
لامدح الامين                                مغسل من ليلح
او لامدح المامون                         صابونه صغيرة
او لامدح الخليفة النعمان                ظواي ماه عامره